قبل أسابيع من الاجتماع المقبل لمجموعة العمل المالي الدولية (FATF) في باريس، يعود ملف «القرض الحسن» ليشكّل واحداً من أكثر الملفات حساسية في امتحان لبنان المالي.

لبنان موجود على اللائحة الرمادية منذ تشرين الأول 2024، ولا يزال مطالباً بإثبات تطبيق فعلي لإصلاحات تتعلق بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وتشديد الرقابة على المؤسسات المالية غير المصرفية، وملاحقة حركة الأموال غير المشروعة والنقد والذهب، وتطبيق العقوبات المالية المستهدفة من دون تأخير. وفي آخر مراجعة لها في 19 حزيران 2026، أبقت المجموعة لبنان على اللائحة وكرّرت تقريباً البنود العشرة التي تشكّل جوهر خطة العمل المطلوبة منه.

وهنا تبرز خطورة «القرض الحسن». فالجمعية خاضعة للعقوبات الأميركية منذ عام 2007، وتصفها وزارة الخزانة الأميركية بأنها مؤسسة مالية يسيطر عليها حزب الله. وخلال 2025 و2026 توسّعت العقوبات لتطال مسؤولين وشركات وشبكات مرتبطة بها.

ففي 10 شباط 2026، فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) عقوبات على شركة «Jood SARL» لتجارة الذهب، قائلاً إنها تعمل تحت إشراف «القرض الحسن» وتحوّل احتياطات الذهب إلى أموال قابلة للاستخدام.

وفي 30 حزيران 2026، ذهبت الخطوة أبعد من واشنطن وحدها: أعلن «مركز استهداف تمويل الإرهاب» (TFTC) — الذي يضم الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي الست: البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات — تصنيفات مشتركة طالت خمسة كيانات و16 شخصاً، بينها «القرض الحسن» و«بيت المال» وقياداتهما. أي أن الملف لم يعد أميركياً فحسب، بل بات خليجياً أيضاً.

في المقابل، تحرّكت السلطة النقدية اللبنانية على مستويين: تعميم في تموز 2025 يمنع المصارف والمؤسسات المالية المرخّصة والوسطاء من أي تعامل، مباشر أو غير مباشر، مع المؤسسات غير المرخّصة ومن بينها «القرض الحسن»؛ ثم التعميم الوسيط رقم 761، الصادر في 4 أيار 2026 والنافذ من 30 حزيران، الذي يُلزم المؤسسات المالية غير المصرفية — صرّافين وشركات تمويل ومزوّدي دفع إلكتروني — بالتحقق من هوية العملاء والإبلاغ عن أي عملية نقدية بقيمة 1000 دولار أو أكثر.

لكن التعاميم شيء والتطبيق شيء آخر. فاستمرار عمل «القرض الحسن» من دون معالجة قانونية ورقابية واضحة، بالتوازي مع حجم الاقتصاد النقدي الكبير والثغرات المستمرة في الرقابة المالية، قد يجعل من الصعب على لبنان إقناع المجتمع الدولي بأنه نفّذ فعلياً المطلوب منه.

الخطر ليس أن ينتقل لبنان تلقائياً إلى اللائحة السوداء، بل أن يدخل استحقاقات FATF المقبلة من دون إنجازات كافية، فيبقى عالقاً على اللائحة الرمادية أو يواجه إجراءات أكثر تشدداً إذا تفاقمت أوجه القصور.

والسؤال قبل اجتماع باريس: هل تتحرك الدولة في ملف «القرض الحسن»… أم تذهب إلى امتحان FATF وهي تحمل معها إحدى أصعب نقاط ضعفها؟